الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

248

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كلّها يلقب تبّع لأنه متبوع بأمراء كثيرين . وقد انفردت سبأ بالملك في حدود القرن السابع عشر قبل الهجرة وكان أشهر ملوكهم أو أولهم الهدهاد بن شرحبيل ويلقب اليشرّح ( بفتح التحتية وفتح الشين المعجمة وفتح الراء مشددة وبحاء مهملة في آخره ) . ثم وليت بعده بلقيس ابنة شرحبيل أيضا أو شراحيل ولم تكن ذات زوج فيما يظهر من سياق القرآن . وقيل كانت متزوجة شدد بن زرعة ، فإن صح ذلك فلعله لم تطل مدته فمات . وكان أهل سبأ صابئة يعبدون الشمس . وبقية ذكر حضارتهم تأتي في تفسير سورة سبأ . و أَحَطْتُ يقرأ بطاء مشددة لأنه التقاء طاء الكلمة وتاء المتكلم فقلبت هذه التاء طاء وأدغمتا . والباء في قوله : بِنَبَإٍ للمصاحبة لأن النبأ كان مصاحبا للهدهد حين مجيئه ، والنبأ : الخبر المهم . وبين ب سَبَإٍ و بِنَبَإٍ الجناس المزدوج . وفيه أيضا جناس الخط وهو أن تكون صورة الكلمتين واحدة في الخط وإنما تختلفان في النطق . ومنه قوله تعالى : وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 79 ، 80 ] . ووصفه ب يَقِينٍ تحقيق لكون ما سيلقى إليه شيء محقق لا شبهة فيه فوصف بالمصدر للمبالغة . وجملة : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً بيان لنبأ فلذلك لم تعطف . وإدخال ( إنّ ) في صدر هذه الجملة لأهمية الخبر إذ لم يكن معهودا في بني إسرائيل أن تكون المرأة ملكا . وفعل تَمْلِكُهُمْ هنا مشتق من الملك بضم الميم وفعله كفعل ملك الأشياء . وروي حديث هرقل « هل كان في آبائه من ملك » بفتح اللام ، أي كان ملكا ، ويفرق بين الفعلين بالمصدر فمصدر هذا ملك بضم الميم ، والآخر بكسرها ، وضمير الجمع راجع إلى سبأ . وهذه المرأة أريد بها بلقيس ( بكسر الموحدة وسكون اللام وكسر القاف ) ابنة شراحيل وفي ترتيبها مع ملوك سبأ وتعيين اسمها واسم أبيها اضطراب للمؤرخين . والموثوق به أنها كانت معاصرة سليمان في أوائل القرن السابع عشر قبل الهجرة وكانت امرأة عاقلة . ويقال : هي التي بنت سدّ مأرب . وكانت حاضرة ملكها مأرب مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث مراحل وسيأتي ذكرها في سورة سبأ .